حالة دراسية شركة ستاربوكس: إستراتيجية المكان الثالث

Posted on Updated on

“كل يوم نذهب للعمل آملين أن نقوم بأمرين: مشاركة قهوة رائعة مع أصدقائنا، و المساعدة قليلًا في جعل هذا العالم أفضل”. هكذا تتحدث ستاربوكس عن عملها الذي بدأ منذ عام 1971 من واشنطن (سياتل) بمتجر وحيد، يحرص على تقديم أرقى أنواع القهوة المحمصة.
في 1981 انضم Howard Schultz (رئيس ستاربوكس و المدير التنفيذي) إلى شركة ستاربوكس، و في 1983 سافر إلى إيطاليا و وقع أسيرًا للتجربة العاطفية للقهوة و المقاهي الإيطالية، و كانت لدية آنذاك رؤية لجلب تقاليد المقاهي الإيطالية إلى الولايات المتحدة (مكان للتبادل أطراف الحديث و الإحساس بالانتماء للمجتمع، مكان ثالث بين العمل و المنزل).
و منذ ذلك اليوم إلى وقتنا الحاضر نجد أن ستاربوكس استطاعت أن تملك أكثر من 21000 متجر في أكثر من 65 دولة حول العالم، كما قدمت العديد من المنتجات عبر موقعها الإلكتروني، بالإضافة إلى العديد من الخدمات كالأخبار و مقاطع الفيديو و خدمات العملاء و الأعمال؛ و حصلت على العديد من الألقاب و الجوائز كان آخرها جائزة الشركة الأكثر أخلاقية في العالم 2015 للمرة التاسعة على التوالي حسب مؤسسة Ethisphere.
و حسب businessinsider الأمريكية فقد أُنفق في عام 2014 على مشروبات ستاربوكس ما يصل إلى 10 بليون دولار في انحاء العالم، و في 2015 ارتفع مؤشر اسهمها في بورصة (Nasdaq: SBUX) إلى ما يقدر بـ 40%، و هو أعلى مستوياته على الإطلاق.
تصف ستاربوكس نفسها بأنها نوع مختلف من الشركات، حيث أنها لا تكتفي بتقديم القهوة و تقاليدها العريقة، إنما تقدم معها شعور التواصل و الاتصال بالمجتمع؛ و رسالتها هي إلهام و تغذية روح الإنسان – شخص واحد، و كوب واحد، و حي واحد في وقت واحد؛ كما تولي أهمية كبرى لمنح عملائها تجربة مقهى مجزية، لا يسهل نسيانها.
تسعى ستاربوكس إلى أن تكون متاجرها عبارة عن مكان محبب لأي شخص ليلتقي بآخر، و لتبادل أطراف الحديث، أو العمل؛ و تعتبر نفسها مكان تجمع لأفراد الحي و جزء من عاداتهم اليومية، حيث تعبر عن ذلك بـ” نحن أكثر بكثير مما نُقدم”؛ كما يظهر ذلك من خلال انتقائها لتصميم و أثاث المقهى، و روائح القهوة التي تفوح فيه، و أصوات الموسيقى المختارة.
ستاربوكس: تسويق غير تقليدي.
رغم حرص ستاربوكس على ترك بصمتها في حياة كل عميل، نلحظ أنها بعيدة كل البعد عن أساليب الإعلان التقليدي، بل لا تكاد ترى لها أي إعلانات سواء على التليفزيون أو الإنترنت أو الصحف، باستثناء عدد قليل لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة! الغالبية العظمى منا لم يرها قط و يبدو أن ستاربوكس لا توليها أهمية كبرى؛ لماذا؟
سيكون الأمر أكثر وضوحًا إذا علمنا أن الإعلانات غالبًا تركز على التعريف بالمنتج، أو توضيح كيفية استخدام المنتج و ما الذي يجعله أكثر تميزًا من غيره، أو دفع المستهلك لشرائه نتيجة الشعور الذي يمنحه هذا المنتج له (كالانتعاش مثلًا بالنسبة لبيبسي)؛ و في جميع الحالات السابقة تركز الشركات المُعلنة على منتجها كسلعة تحرص أن تكسب المزيد من المشترين؛ إلا أن هذا الأمر لا يتوافق مع رؤية ستاربوكس لذاتها كشركة، إذ ترى أنها جزء من حياة العميل و مكانه الثالث بعد منزله و عمله، مكان للتواصل و للراحة و للتجربة العاطفية الغنية الممتزجة برائحة القهوة، و لإنعاش الفكر، و لاحتساء الشاي أثناء العمل!
و لهذا نرى أن ستاربوكس تبتعد عن تسليع منتجاتها و إفراغها من محتواها العاطفي الإنساني، و هو ما قد تسببه الإعلانات التقليدية، فستاربوكس تحرص أن تكون ولاء طويل المدى، و علاقة قوية بينها و بين عملائها لذا ارتأت أن تكون جزء من حياتهم و ليس إعلانًا عابرًا، و في هذا السياق تبذل قصار جهدها لإمداد متاجرها بأجود أنواع البن، كما تزين متاجرها بالأثاث و الموسيقى و رائحة القهوة و خدمات الإنترنت و التي تتوافق مع سعيها لتكون المكان الثالث في حياة العميل.
استراتيجية المكان الثالث، و منح العميل تجربة غير مسبوقة.
بحسب   Matthew Dollinger من مجلة FastCompany تقول Kelly أحد المدراء في ستاربوكس: ” نريد أن نقدم كل الراحة التي تجدها في منزلك و مكتبك، يمكنك الجلوس على كرسي جميل، و التحدث في هاتفك، و النظر من خلال النافذة، و تصفح الإنترنت، … اوه، و شرب القهوة أيضًا”، كما تقول: ” الفكرة وراء خدمة العملاء في ستاربوكس ليس جعلها جيدة فقط، و إنما مدهشة. لأن الأشخاص عندما يكون لديهم تجربة سيئة فسوف يخبرون 7 أشخاص، أما إن كانت عادية فلن يخبروا أحدًا، و في حال كانت تجربتهم رائعة فسوف يخبرون 2-3؛ إن جعل تجربة العميل رائعة ليست فقط حول الخدمات، فلو كان لدى العملاء مشكلة (مشروب سيء، غطاء متصدع.. الخ)، فسنفعل كل شيء لتصحيح الوضع”، و تضيف: ” نحن نتعامل مع كل شيء في متجرنا، من عقلية “ما الذي أريده؟”؛ الموسيقى، و النظافة، و الخدمة.. كل شيء يجب أن يكون كما نود أن يكون لو جئنا للمتجر كعملاء”.
 و من هنا يتجلى حرص ستاربوكس الواضح و المتأصل في ثقافتها على منح العميل شعور عميق بالرضا تجاه تجربته في أي من متاجرها، إذ أن هذا الشعور بالرضا و الذي نتج عن عمل دؤوب على كافة الجوانب المتعلقة بالراحة و الجودة و الاسترخاء و التميز، سوف ينتج للشركة عميل ذو ولاء و حب كبيرين، كما يجلب لها مسوقين يستخدمون أكثر أنواع التسويق تأثيرًا و هو التسويق باستخدام الكلمة المنطوقة أو يعرف بـ Word of Mouth ، و من ثم بناء السمعة المتميزة مما ينعكس على قوة الشركة كعلامة تجارية و يسهم في رفع مبيعاتها.
كما أن حرص ستاربوكس على رضاء العملاء يظهر من خلال كافة مناحي العمل داخل الشركة و من أبرزها اختيار الموظفين المؤهلين للإيمان بثقافة الشركة و رؤيتها للقهوة كمشروب التواصل والاسترخاء، حيث تقول Kelly: “عندما نرغب بتوظيف شخص ما فإننا نطرح هذا السؤال دائمًا (ما الذي تعنيه القهوة بالنسبة لك؟)، بالنسبة لبعض الأشخاص (إنها ببساطة تساعدني على النهوض صباحًا)؛ بالنسبة لي _و أنا لم أشرب القهوة قبل_ أنها ذلك الشيء الذي يجمع الناس، إنها محادثة، شيء يفتح الأبواب بين الناس و _ببساطة_ يسمح لهم بالاسترخاء”؛ كذلك يمتد الأمر إلى تدريب الموظفين قبل توليهم زمام الأمور، تقول: “عملية التدريب برمتها تجري باستخدام أسلوب التعلم بالقدوة، فإذا كان لدينا موظفين جدد، فإنهم يقتفون الأشخاص ذوي الخبرة للتعرف على كيفية إعداد المشروبات، و التحدث مع العملاء، و كيفية التفاعل؛ و لا يمكنك تعلم هذا النوع من الأمور من كتاب”؛ و تضيف: ” حسن الخلق، و الفضول بشأن ما يريده و يحتاجه العميل، و الانفتاح، و التحدث دون مجاوزة الحدود؛ هذا النوع من الأشخاص ليس مكسب للفريق فقط، إنما للعملاء أيضًا”.
ما تقوم به ستاربوكس من خلال استراتيجية المكان الثالث هو التركيز على منح العميل تجربة فريدة، من خلال تتبع كل ما يحتاجه و يرغب به، سواء كان ماديًا أو معنويًا، و خلق ارتباط عاطفي و تجربة شعورية غير مسبوقة تجعل من ستاربوكس خياره الأفضل بعد المنزل و العمل، و جزء من تفاصيل حياته، ليس بسبب جودة القهوة فقط، إنما بسبب الرغبة في إعادة هذه التجربة الشعورية مرارًا و تكرارًا.
 تأخذ ستاربوكس كل ما من شأنه إضافة القيمة إلى تجربة العميل بالحسبان، و بجديه تامة، من خلال الدقة المتناهية و الحرص على كافة التفاصيل؛ و إذا ما نظرنا إلى الشركات الرائدة في عالمنا اليوم، نجد أن اهتمامها منصب على احتياجات العملاء و رغباتهم، و على التجربة الفريدة التي تحرص الشركات الناجحة أن يحصل عليها العملاء عند استخدام منتجاتها أو خدماتها.
Full Text: PDF.
المراجع:
Advertisements