استرداد

استرداد الثقة

Posted on Updated on

تعتبر الثقة من الإمكانيات الرئيسية للمنظمة، و تعتبر عملية فهم كيفية بناء الثقة و دعمها و استردادها من الأمورالحرجة لكل المنظمات و بشكل أخص تلك التي تأخذ قيمها الأخلاقية و التزاماتها تجاه هذه القيم على محمل الجد؛ و ترتبط أخلاقيات الأعمال بالثقة إرتبطًا وثيقًا حيث يعتبر السلوك أو الآداء الجدير بالثقة المبدأ الأساسي في الأخلاق؛ و لكي تكون المنظمة أخلاقية لا بد أن تكون جديرة بالثقة.
و نلحظ أن الثقة و السلوك الأخلاقي يشتركان في العديد من الموضوعات تشمل مركزية القيم كقيمة النزاهة، و الفعل الذي يطابق القول، و الوفاء بالوعود، و بذل قصارى الجهد في آداء الأعمال(الإحسان)، و إبداء الاهتمام و الإحساس بالآخرين، و أخيرًا الإنصاف؛ و تقع المبادئ الأخلاقية وراء توقعاتنا لما يشكل السلوك الأخلاقي.
و تبنى علاقات الثقة القوية و الجدارة بالثقة على قاعدة أخلاقية قوية تُدعم من القادة و الأنظمة و السياسات التي تُصمم من أجل تعزيز تلك الجدارة بالثقة و الثقة بين الموظفين. بالتالي، يجب أن يتم رعاية و تعزيز الثقة كجزء من القاعدة الأخلاقية القوية.
و تعتبر الثقة اللبنة الأساسية للمنظمات في أي مؤسسة ناجحة، و عنصرًا أساسيًا للنجاح في المنظمات المعاصرة، و أشارت العديد من الاستطلاعات إلى وهن العلاقة و التشكيك المستمر بين العملاء و المستثمرين و غيرهم من أصحاب المصالح في معيار الثقة في عالم الأعمال.
و بالنسبة لمقياس ايدلمان للثقة و الذي أجري على أساس عالمي فإن ثقة الناس انخفضت في جميع أنحاء العالم بعد الأزمة المالية 2008 و حسب الدراسة فإن أقل من نصف العينة التي أجري عليها الاستطلاع ذكروا بأنهم لا يثقون بالشركات.
و يستغرق بناء سمعة للمنظمة في مجال الثقة وقتًا طويًلا و يتطلب جهدًا و استثمارًا كبيرين؛ لكن ما الذي يحدث عندما يكون هناك أزمة أو فضيحة مالية تضرب سمعة المنظمة و ثقتها و تصبح المنظمة تحت التهديد المستمر؟!
يمكن أن تكون عملية إصلاح الثقة و استعادة السمعة أمرًا شاقًا، و لكنه قابل للتحقيق، و تستطيع المنظمات بناء الثقة من خلال تعريف ما هي الثقة و شرح كيف تأسست الثقة بين الأفراد مع مرور الوقت، و تستخدم العديد من الشركات نماذج مختلفة من أفضل الممارسات لكيفية قيامها بحماية و استعادة الثقة عندما تواجه فشلًا أو أزمة.
الثقة و الجدارة بالثقة (المصداقية)
يمكن اعتبار الثقة على المستوى الشخصي بأنها إمكانية الاعتماد على هذا الشخص، بينما على المستوى التنظيمي فتسمى الثقة التنظيمية؛ و في النموذج الأكثر شيوعًا للثقة يمكن الحكم على مصداقية الطرف الآخر بالاعتماد على ثلاث أبعاد و هي القدرة (الكفاءة التقنية)، و الخير أو الإحسان (الدوافع و المصالح)، و أخيرًا النزاهة (الصدق و المعاملة العادلة) و إذا كان الحكم من خلال الأبعاد إيجابيًا فإن ذلك يزيد من فرصة المخاطرة باتخاذ القرار بالتعامل مع تلك المنظمة بمعنى أن يتم الوثوق بها و يتمثل ذلك بشراء منتجاتها و خدماتها، أو الاستثمار بها، أو العمل فيها.
و لكن إن كانت هذه السمات مثار تساؤل جدي، فقد يؤدي ذلك إلى الحذر و الإحجام عن الدخول في مخاطرة، و يؤدي انعدام الثقة إلى إعاقة التعاون، و الفشل في كفاءة عملية الرقابة، و التضييق على الابتكار، و تدمير العلاقات؛ لذا فيجب على كل طرف توفير دليل على مصداقيته  و جدارته بالثقة للطرف الآخر،  بالتالي القدرة على تعزيز الثقة أو تقويضها.
إصلاح الثقة
يمكن أن تبرهن المنظمة على جدارتها بالثقة من خلال الكفاء الفنية لعملياتها و منتجاتها و خدماتها (القدرة)، و كذلك من خلال الدوافع الإيجابية و الحرص على أصحاب المصالح المتعددين (الإحسان)، و الصدق و النزاهة في تعاملها مع الآخرين (النزاهة).
لكن النقص أو الإساءة في استعمال أي من هذه السمات قد يشكل فضيحة أو فشل يؤدي إلى تبخر الثقة في لحظة؛ و تتطلب الاستجابة الفاعلة للفشل في الثقة تدخلات للسيطرة على كل من انعدام الثقة، و إظهار الجدارة بالثقة مجددًا؛ و تشمل هذه التدخلات أولًا تعليمات انعدام الثقة، و تتضمن فرض قيود و ضوابط و شروط على سلوك الموظفين من أجل ضمان عدم تكرار الفشل؛ كما تتضمن إجراءات جديدة للامتثال، و مراجعة نظام الحوافز، و إصلاح المعايير الثقافية، و التخلص من الأطراف المذنبة أو المتواطئة، و يعتبر هذا الإجراء حد أدنى متوقع من التدخلات لكنه ليس كافيًا من أجل إصلاح الثقة.
أما الآلية الثانية فهي إظهار الجدارة بالثقة، و تشمل الإجراءات و التصريحات  التي توفر أدلة جديدة دامغة على سمات القدرة و الإحسان و النزاهة، بالإضافة إلى اصلاح تعليمات انعدام الثقة؛ و تتضمن الاعتذار، و التكفير عن الذنب، و الشفافية، و استثمارات كبيرة من أجل إظهار الجدارة بالثقة، و الممارسات الأخلاقية.
و هناك أربع مراحل من أجل إصلاح الثقة بفاعلية، و تتبع هذه المراحل تسلسلًا زمنيًا بسيطًا:
المرحلة الأولى و هي الاستجابة الفورية للجهات التي فقدت ثقتها بالمنظمة، ثم المرحلة الثانية و تشمل التشخيص الدقيق و المنهجي للأسباب و المتسببين بالفشل، و تأتي المرحلة الثالثة لتركز على القيام بسلسلة من التدخلات تهدف إلى إيجاد نظام يقوم بتوليد و الحفاظ على الثقة على مستوى المنظمة، أما المرحلة الرابعة و الأخيرة فتشمل التقييم  المنتظم لسير هذه المراحل بحيث يكون دقيقًا و متعدد المستويات، و يكون في الوقت المناسب و يمتاز بالشفافية.
.
Full text: PDF

بقلم: د. محمد العضايلة.

مراجعة: أسماء اليحيى

.

Advertisements